الشوكاني

167

فتح القدير

قوله ( آمنوا بالله ورسوله ) أي صدقوا بالتوحيد وبصحة الرسالة ، وهذا خطاب لكفار العرب . ويجوز أن يكون خطابا للجميع ، ويكون المراد بالأمر بالإيمان في حق المسلمين الاستمرار عليه ، أو الازدياد منه . ثم لما أمرهم بالإيمان أمرهم بالإنفاق في سبيل الله فقال ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) أي جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة ، فإن المال مال الله والعباد خلفاء الله في أمواله فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه وقيل جعلكم خلفاء من كان قبلكم ممن ترثونه ، وسينتقل إلى غيركم ممن يرثكم فلا تبخلوا به . كذا قال الحسن وغيره . وفيه الترغيب إلى الإنفاق في سبيل الخير قبل أن ينتقل عنهم ويصير إلى غيرهم . والظاهر أن معنى الآية الترغيب في الإنفاق في الخير ، وما يرضاه الله على العموم ، وقيل هو خاص بالزكاة المفروضة ، ولا وجه لهذا التخصيص . ثم ذكر سبحانه ثواب من أنفق في سبيل الله فقال ( فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ) أي الذين جمعوا بين الإيمان بالله ورسوله ، وبين الإنفاق في سبيل الله لهم أجر كبير ، وهو الجنة ( وما لكم لا تؤمنون بالله ) هذا الاستفهام للتوبيخ والتقريع : أي أي عذر لكم ، وأي مانع من الإيمان ، وقد أزيحت عنكم العلل ، وما مبتدأ ولكم خبره ولا تؤمنون في محل نصب على الحال من الضمير في لكم ، والعامل ما فيه من معنى الاستقرار ، وقيل المعنى : أي شئ لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا ؟ وجملة ( والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ) في محل نصب على الحال من ضمير لا تؤمنون على التداخل ، ولتؤمنوا متعلق بيدعوكم : أي يدعوكم للإيمان ، والمعنى : أي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه ؟ وجملة ( وقد أخذ ميثاقكم ) في محل نصب على الحال من فاعل يدعوكم على التداخل أيضا : أي والحال أن قد أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم ، أو بما نصب لكم من الأدلة الدالة على التوحيد ووجوب الإيمان . قرأ الجمهور " وقد أخذ " مبنيا للفاعل ، وهو الله سبحانه لتقدم ذكره . وقرأ أبو عمرو على البناء للمفعول ( إن كنتم مؤمنين ) بما أخذ عليكم من الميثاق ، أو بالحج والدلائل ، أو إن كنتم مؤمنين بسبب من الأسباب فهذا أعظم أسبابه وأوضح موجباته ( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ) أي واضحات ظاهرات ، وهي الآيات القرآنية ، وقيل المعجزات والقرآن أعظمها ( ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) أي ليخرجكم الله بتلك الآيات من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان ، أو ليخرجكم الرسول بتلك الآيات ، أو بالدعوة ( وإن الله بكم لرءوف رحيم ) أي لكثيرة الرأفة والرحمة بليغهما حيث أنزل كتبه وبعث رسله الهداية عباده فلا رأفة ولا رحمة أبلغ من هذه ، والاستفهام في قوله ( وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ) للتقريع والتوبيخ ، والكلام في إعراب عن هذا كالكلام في إعراب قوله - وما لكم لا تؤمنون بالله - وفي هذه الآية دليل على أن الإنفاق المأمور به في قوله ( وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) هو الإنفاق في سبيل الله كما بينا ذلك ، والمعنى : أي عذر لكم وأي شئ يمنعكم من ذلك ، والأصل في أن لا تنفقوا ، وقيل إن أن زائدة ، وجملة ( ولله ميراث السماوات والأرض ) في محل نصب على الحال من فاعل " ألا تنفقوا " أو من مفعوله ، والمعنى : أي شئ يمنعكم من الإنفاق في ذلك الوجه والحال أن كل ما في السماوات والأرض راجع إلى الله سبحانه بانقراض العالم . كرجوع الميراث إلى